القدس والمسجد الأقصى: قلب فلسطين النابض — تاريخه ومكانته وواقعه اليوم
بقلم فريق كيمي ترافلز · تحديث سبتمبر 2026
هناك مدن تحكمها الجغرافيا، وهناك مدن تحكمها القلوب، والقدس مدينة القلوب بلا منازع: عاصمة فلسطين التاريخية، وأول القبلتين، وثالث الحرمين، وموطن المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم. لكن القدس ليست رمزاً دينياً فقط، بل هي أيضاً ملف قانوني أممي وحالة احتلال موثقة من 1967 حتى اليوم. في هذا المقال نجمع صورة القدس الكاملة: تاريخها الكنعاني والإسلامي، ومكانة الأقصى وأبعاد حرمه، وموقعها في التراث العالمي، وواقع أهلها الفلسطينيين تحت الاحتلال، بلغة الأرقام والوثائق بدل العبارات المفتعلة.
البلدة القديمة: أقدم المدن المأهولة وتراث عالمي مهدد
تتوسّط البلدة القديمة حوالي 0.9 كيلومتر مربع من القدس، وبُنيت على طبقات أثرية تمتد آلاف السنين منذ العهد الكنعاني. وأدرجتها اليونسكو في قائمة التراث العالمي عام 1981 بطلب من الأردن، ثم أضافتها إلى قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر في عام 1982 — وهي لا تزال عليه حتى اليوم — بسبب أعمال الاحتلال في تغيير معالمها وهويةها. تحوي البلدة القديمة أحياءها الأربعة (المسلمون والمسيحيون واليهود والأرمن) والحرم الشريف وأيضاً كنيسة القيامة، وهي شهادة على أن القدس مدينة حضارات وملاحم متعاقبة لا مدينة طرف واحد. لهذا تصدّت اليونسكو عبر قرارات متكررة لأي مساس بمعالمها، وأعلنت بشكل صريح أن كل التغييرات التي أحدثها الاحتلال في معالم المدينة وتقسيمها لاغية وباطلة.
المسجد الأقصى: أول القبلتين وثالث الحرمين
المسجد الأقصى في اللغة الشرعية هو الحرم كله: أرضه بحدودها الـ144 دونماً (نحو 14.4 هكتاراً) أي سدس البلدة القديمة تقريباً، ويشمل القبة الصخرة والمسجد القبلي والجامع المرواني وكل الصوامع والأروقة والحدائق. ومكانته في الإسلام لا تجاريها مسجداً: صلى إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء المعجزي، وكان قبلة المسلمين الأولى قبل تحويلها إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة، وورد اسمه في سورة الإسراء. ومن فوق منصته انطلق المعراج. هذه المكانة هي التي تجعل أي عدوان عليه مسألة الأمة كاملة، وهي التي جعلت حمايته شعاراً تاريخياً منذ زمن صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الصليبيين عام 1187 بعد 88 عاماً من الاحتلال الصليبي.
بناء الحرم: من عمر بن الخطاب إلى قبة الصخرة
دخل الخليفة عمر بن الخطاب القدس سلمياً عام 637م/16هـ بعد عهد الأمان الذي أعطاه لأهلها، وتلقى مفاتيح المدينة من بطريركها صفرونيوس بنفسه، ورفض أن يصلي داخل كنيسة القيامة حتى لا يتخذ موقعها للصلاة فرضاً على المسلمين — وهي لحظة تختصر أخلاق الفتح الإسلامي التي قارنت بما جرى في 1948. وبنى الأمويون الحرم على هيئته: بنا عبد الملك بن مروان قبة الصخرة عام 691م بقبابتها الذهبية وفسيفسائها التي تعتبر من أقدم ما بقي من فن إسلامي، واكتمل المسجد القبلي في عهد ابنه الوليد عام 705م. ومع كل زلزال وغزو جُدّد الحرم: أيوبيون ثم مماليك فعثمانيون، حتى صار كتابه المعماري يقرأ في كل قوس ومحراب.
القدس في القرارات الأممية: مدينة لا تُمس من حقها
منذ عام 1947 لم تعترف أي رابطة أممية بضم الاحتلال للقدس الشرقية عام 1980 ولا بإعلانه مدينة «موحدة» تحت سيادته. نص قرار الجمعية العامة 181 على تدويل القدس (النظام الدولي الخاص)، ثم عادت القرارات المتعاقبة — ومنها قرار مجلس الأمن 478 عام 1980 — لتعلن أن قانون القدس الذي أقره الاحتلال «باطل ولاغٍ» ويجب على الدول ألا تنقل سفاراتها إليها، وهو ما ظل معظم الدول ملتزماً به حتى اليوم، ولهذا مركز السفارات في تل أبيب رمزياً وسياسياً. كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بتاريخ 19 يوليو 2024 أن القدس الشرقية جزء من الأرض المحتلة التي وجود الاحتلال فيها غير قانوني ويتعين إنهاؤه. وللتفاصيل القانونية الكاملة راجع مقالنا عن فلسطين والقانون الدولي.
واقع أهل القدس اليوم: حصار وهوية وبطاقات إقامة
يعيش أهالي القدس الشرقية — نحو 360 ألف فلسطيني بحسب بيانات الأمم المتحدة — واقعاً من أشد أنواع الاحتلال ظلماً: لا يحملون جنسية الاحتلال ولا مواطنة فلسطينية كاملة، بل «إقامة» يملك الاحتلال سحبها في أي لحظة، وقد سحبها من آلاف الأهالي منذ 1967. والضاحية الشرقية محاطة بحزام من المستوطنات وجدار الفصل الذي استولى على آلاف الدونمات من أراضيها وقطعها عن بقية الضفة. كما يعاني القدسيون من فرض الضرائب والهدم العقاري ورفض التصاريح للبناء، في ضغوط واضحة لإفراغ المدينة من أهلها. وكل هذا وثّقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وتقارير حقوقية أممية متعاقبة. من هنا كان شعار الفلسطينيين: القدس عاصمة دولة فلسطين، وهو الاعتراف الذي صادق عليه 157 دولة أممية بحسب أواخر إحصاء سبتمبر 2025.
الأقصى اليوم: الانتهاكات وأوقات الحرائق والإغلاق
يواجه المسجد الأقصى منذ 1967 انتهاكاً موثقاً: اقتحامات يومية من مستوطنين محميين من الجيش الاحتلالي، وقيود على أعمار المسلمين للصلاة في أوقات، وقطع للعزلة عن الضفة عبر الجدار والحواجز التي تجعل مواطني الضفة محرومين من الصلاة فيه إلا بتصاريح نادراً ما تُمنح. وفي 1969 أضرم الزائر الأسترالي دينيس روهان النار في المسجد القبلي محرقاً منبر صلاح الدين التاريخي، وهو الحدث الذي أثمرت بعده مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط عام 1969. وما تزال قرارات اليونسكو المتعاقبة — ومنها قرار 2016 — تحمل نصوصاً صريحة تسمي الحرم بـ«المسجد الأقصى/الحرم الشريف» وتدين أعمال الاحتلال حوله، رغم ضغوط سياسية متكررة عليها.
القدس في القلب: لماذا لا تسقط قضيتها بالزمن؟
القدس ليست ملفاً سياسياً فقط، بل هي ذاكرة حية: الأبواب المفتوحة السبعة من بوابات البلدة القديمة (باب العمود وباب السلسلة وباب المغاربة وباب النبي داود وغيرها) كلها تحمل أسماءها العربية القديمة، وأسواقها (سوق العطارين، خان الزيت) لا تزال تنبض بأسمائها الأصلية، وأسماء أحيائها وقراها المحيطة (سيلوان، الشعفاط، بيت حنينا، الظاهرية) تروي قصة أهلها المستمر. وتروي كذلك مقالاتنا المجاورة باقي المشهد: تاريخ فلسطين كاملاً، والنكبة الموثقة، والاعتراف بفلسطين من 157 دولة، وحق العودة والمفتاح. القدس لم تكن ولم تُنسَ، لأن أهلها ما زالوا فيها، وذاكرتها ما زالت في قلوب مئات الملايين حول العالم.
المسجد الأقصى واهل القدس يحتاجان اليوم إلى صوتكم أكثر من أي وقت: صلاة في القلوب، ونشر للحقيقة الموثقة، ودعم إنساني عاجل لاهالي القدس وغزة والضفة عبر المنظمات الموثوقة بعدما وثقت الأمم المتحدة سقوط أكثر من 74 ألف شهيد في غزة. الصوت الموثق سلاح، والاحتلال يخاف من الحقيقة أكثر مما يخاف من أي شيء.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟
المسجد الأقصى هو الحرم كله بأرضه الـ144 دونماً بحدوده ومآذنه وأروقته وحدائقه، وقبة الصخرة هي بناء الفسيفساء الذهبي في قلب الحرم الذي بناه عبد الملك بن مروان عام 691م، والمسجد القبلي هو المبنى ذو القبة الرصاصية في الجهة الجنوبية. فالمسجد الأقصى يشمل القبة الصخرة والقبلي والجامع المرواني معاً.
ماذا قال اليونسكو عن البلدة القديمة في القدس؟
أدرجت اليونسكو البلدة القديمة وأسوارها في قائمة التراث العالمي عام 1981 بطلب من الأردن، وأضافتها إلى قائمة التراث المهدد بالخطر عام 1982، وأصدرت قرارات متكررة تدين أعمال الاحتلال في المدينة وتعلن أن كل تغييراتها في معالمها لاغية وباطلة.
هل يحق للفلسطينيين الصلاة في الأقصى بحرية؟
لا. يعاني أهالي الضفة والقدس من قيود متفاوتة: محرومون أهل الضفة عملياً من الوصول إلا بتصاريح نادراً ما تُمنح، والقدسيون يواجهون عمرة سنوية تُحدد فيها أعمار من يُسمح له بالصلاة خاصة في الجمعة والأعياد، وتوثق منظمات حقوقية انتهاكات يومية بحق المصلين.
لماذا لا تقع سفارات الدول في القدس؟
لأن قرار مجلس الأمن 478 عام 1980 أعلن أن قانون القدس الذي أقره الاحتلال «باطل ولاغٍ» ودعا الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة، وهو موقف التزمت به معظم دول العالم رغم تحركات لاحقة من بعض حكومات قليلة.
ما وضع القدس في القانون الدولي اليوم؟
محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري بتاريخ 19 يوليو 2024 أن القدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن وجود الاحتلال فيها غير قانوني وينبغي إنهاؤه بأسرع وقت، وأن ضمّها باطل ولا يقبل قانوناً.